السيد محمد الصدر

41

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وأمّا التسبيب غير المباشر فهو الذي يكون سبباً لشيءٍ ، وهذا الشيء يكون سبباً لآخر وهكذا ، من الآن إلى يوم القيامة ؛ لأنَّ كلّ مرحلةٍ من مراحل الدهر سبب للمرحلة التي بعدها ، فإذا كان فيه تأثيرٌ بنحوٍ من الأنحاء ، كانت التأثيرات مستمّرةً إلى أن تصل إلى مستقرّها ، وتكون كالشجرة التي تتفرّع إلى فروعٍ . والوجه فيه : أنَّ التسبيب الأسبق أنتج ظلمين ، وهذا أنتج مئة أو ملايين وهكذا . كما أنَّ الحسنة تثمر ملايين الحسنات أيضاً ؛ لأنَّ المعلول فرع علّته ، والمعلول الآخر كذلك وهكذا ، فكلّها تقع على عاتق المسبّب الأوّل من حيث لا يعلم ؛ لأنَّه ليس لديه بعد نظر ، فعليه أن يتحمّل هذه المسؤوليّة العظيمة أمام الله سبحانه ؛ لأنَّه لولا فعله لما حصلت هذه الذنوب من الآخرين ، ولزم من عدم فعله العدم ، فهو الذي أسقط بذرة الشجرة إلى الأرض ، فأثمرت الشجرة سوءً ، فعليه وزره ووزر مَن عمل به إلى يوم القيامة ، من دون أن ينقص من الفاعلين شيءٌ ، وهذا ينطبق على الفاعلين ، سواء كانوا فاعلي سوءٍ أم خيرٍ . والوازرة هي النفس المذنبة الأمّارة بالسوء ، فبعد أن تذنب ذنبها تحمله ، ولا تحمل ذنب غيرها إذا لم تتسبّب إليه بنحوٍ من الأنحاء ، وأمّا مع التسبيب فيكون ذنبها حقيقةً ، وعليه فلا تنافي بين حمل ثقل الغير وثقل النفس . ثَمَّ إنَّ الراغب ذكر في معنى قوله : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ، أنَّ النبي ( ص ) لا وزر له ، فكيف وضعه الله عنه ؟ وأجاب : بأنَّ ذلك يعني : ما كنت فيه من أمر الجاهليّة ، فأُعفيت بما خُصصت به عن تعاطي ما كان عليه قومك « 1 » . وحسب فهمي لفلسفة الراغب هنا أنَّ هذا الوزر كان اقتضائيّاً لا فعليّاً ،

--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 558 ، مادّة ( وزر ) .